تعقيدات المشهد السوداني: بين توازنات التحالفات ومخاوف اتساع الجبهات



مقدمة: دلالات التحولات ومؤشرات القلق

لم تعد التطورات في المشهد السوداني تقتصر على خطوط المواجهة العسكرية المباشرة، بل تجاوزتها لتشمل شبكة معقدة من التفاعلات السياسية بين مختلف الأطراف الفاعلة. وتأتي التصريحات والرسائل المتبادلة بين القيادات العسكرية والسياسية لتعكس حالة من التوجس والترقب بشأن الخطوات القادمة، خاصة فيما يتعلق بمسألة شرعية السلطة، إدارة الفترة الانتقالية، ومصير الاتفاقيات السابقة وعلى رأسها اتفاق جوبا لسلام السودان.

تثير التطورات الأخير تساؤلات جوهرية بين المراقبين حول طبيعة التحالفات الراهنة، وهل يمكن أن تصمد أمام المتغيرات الميدانية والسياسية المتسارعة، أم أن هناك مسببات صامتة قد تؤدي إلى إعادة تشكيل الخريطة السياسية في البلاد من جديد.

أولاً: اتفاق جوبا لسلام السودان وميزان القوة السياسية

شكل اتفاق جوبا الموقع في عام 2020 ركيزة أساسية في إعادة رسم الخريطة السياسية والأمنية، حيث أتاح للحركات المسلحة الموقعة المشاركة الفاعلة في مؤسسات السلطة الانتقالية والترتيبات الأمنية. إلا أن تطورات النزاع الحالي أوجدت واقعاً جديداً يضع هذا الاتفاق أمام اختبارات حقيقية:

  1. مخاوف التهميش السياسي: تتردد في الكواليس السياسية تحذيرات من أن أي خطوات أحادية لتشكيل حكومة جديدة أو إعادة تعيين القيادات التنفيذية قد تؤدي إلى تجاوز البنود الأساسية لاتفاق جوبا، مما يهدد المكاسب التي حققتها تلك الحركات وتوازن السلطة المترتب عليها.
  2. التصريحات والمواقف المعلنة: تعكس المواقف الصادرة من قادة الحركات المسلحة في لقاءاتهم الإقليمية والتحركات الأخيرة حذراً شديداً من الانفراد بالقرار، مؤكدة أن الاستقرار المشترك ينبع من الالتزام بالتوافق الوطني وعدم الإخلال بالتعهدات المبرمة سلفاً.

ثانياً: التباينات التنظيمية وإعادة بناء المؤسسة العسكرية

تتوزع القوى الميدانية المساندة في النزاع بين قوات نظامية، وحركات مسلحة حليفة، وفصائل شعبية ومقاومة مساندة. هذا التعدد يطرح تحديات استراتيجية في كيفية إدارة القيادة والسيطرة وصياغة رؤية موحدة لمستقبل الترتيبات الأمنية.

فبينما تسعى المؤسسة العسكرية الرسمية إلى فرض انضباط صارم ودمج الكيانات المقاتلة تحت مظلة قانونية وتنظيمية واحدة، تظل الحركات المسلحة متمسكة بهيكليتها التنظيمية واستقلاليتها حتى اكتمال بند الترتيبات الأمنية الشاملة. هذا التباين في الرؤى يُحدث نوعاً من التكتم والتوجس حول شكل الخريطة الأمنية في مرحلة ما بعد الحرب، ويخشى الكثيرون أن يتحول هذا التباين إلى نقطة خلاف جوهرية بين الحلفاء.

ثالثاً: السيناريوهات المحتملة لمستقبل التحالفات

أمام المعطيات الحالية، تتشكل عدة سيناريوهات محتملة لما قد تؤول إليه الأوضاع بين القوى المختلفة:

  • سيناريو التوافق وإعادة الترتيب: القائم على استيعاب مطالب كافة الأطراف عبر مشاورات موسعة تضمن توزيع السلطات وتأكيد الالتزام بالاتفاقيات، مما يعزز تماسك الجبهة الداخلية ويمنع تشظيها.
  • سيناريو الحياد وإعادة التموضع: في حال شعور بعض الفصائل بالتهميش أو السعي لإحداث تغيير أحادي في نظام الحكم، قد تتجه بعض القوى نحو تعزيز نفوذها في أقاليمها التقليدية والتراجع عن التنسيق الميداني المباشر، مما يفرض واقعاً سياسياً جديداً يتسم باللامركزية النفعية.
  • سيناريو التوتر والاحتكاك المغلق: وهو السيناريو الأشد خطورة، حيث قد تؤدي التباينات واختلاف الرؤى السياسي إلى تجدد الخلافات على الأرض حول نقاط النفوذ والموارد، وهو ما تحذر منه كافة الأطراف الحريصة على منع انهيار الدولة وتفكك مؤسساتها.

خاتمة: متطلبات المرحلة والحلول الممكنة

إن تجاوز مرحلة الشك والتعقيد الراهنة يستوجب اعتماد ممارسات سياسية قائمة على الشفافية وتوسيع قاعدة المشاركة في اتخاذ القرار. لا يمكن تحقيق استقرار حقيقي ومستدام من خلال قرارات فردية أو إقصائية، بل عبر حوار وطني شامل يضع مصلحة المواطنين واستقرار مؤسسات الدولة فوق الحسابات الفئوية ضيقة النطاق. إن تغليب الحكمة والحلول التوافقية هو السبيل الوحيد لإجهاض فرص الفتنة وحماية البلاد من الانزلاق نحو دوامات صراع جديدة.


تعليقات