السودان الملفات المسكوت عنها من الاستقلال إلى حرب 15 أبريل


السودان في قلب التدافع الجيوسياسي: تحليل تاريخي واستراتيجي للملفات المسكوت عنها من الاستقلال إلى حرب 15 أبريل

مقدمة: الجغرافيا المغدورة وأزمة الموقع

يظل السودان فريداً في محيطه الإقليمي والدولي؛ فهو ليس مجرد دولة ذات مساحة شاسعة وشريط ساحلي إستراتيجي على البحر الأحمر، بل هو السهل الرسوبي والمخزون المائي والأراضي الخصبة التي تجعله -وفق كافة التقارير الدولية- الركيزة الأولى للأمن الغذائي العالمي في ظل التغيرات المناخية المتسارعة. ورغم هذه المقومات الفريدة، ظل التاريخ الحديث للسودان سلسلة متصلة من الأزمات المركبة، والحروب الممتدة، والتدخلات الإقليمية والدولية التي تقاطعت فيها مصالح القوى الكبرى مع صراعات الداخل.

تسعى هذه المقالة التحليلية إلى إعادة فتح الملفات التاريخية والسياسية والاقتصادية المسكوت عنها، لتفكيك شبكة العلاقات الشائكة بين الخرطوم ومحيطها الإقليمي (ولا سيما مصر والسولطة السعودية)، وصولاً إلى أسباب وتداعيات حرب 15 أبريل 2023.

أولاً: بذرة الأزمة التأسيسية (صراع الهوية وانضمام السودان للجامعة العربية)

تودع الجذور الأولى للاضطراب السياسي والعسكري في السودان إلى لحظة الاستقلال عام 1956. فقد واجهت النخبة السياسية السودانية حينها إشكالاً هيكلياً يتضمن توفيق التنوع العرقي والثقافي في البلاد مع خيارات الدولة الإقليمية.

  1. انضمام السودان لجامعة الدول العربية: تم حسم الهوية الرسمية للدولة بإلحاق السودان بالجامعة العربية بتأثير مباشر من النخب الاتحادية ورعاية مصرية حثيثة. ورغم أن هذا القرار كان يعكس أبعاداً ثقافية وسياقية لشرائح واسعة في الشمال والوسط، إلا أنه جاء دون استفتاء شامل، وتغاضى عن واقع أن نصف سكان السودان أو أكثر من المكونات الأفريقية الأصيلة في الجنوب والغرب والشرق لا تربطها بالعروبة رابطة لغوية أو أيديولوجية.
  2. اندلاع الحرب الأولى: أدى هذا التغليب القسري للهوية الأحادية وتهميش المكون الأفريقي إلى تعميق الشعور بالعزل السياسي والاقتصادي لدى أبناء الجنوب ومناطق الهامش، مما شكل الشرارة الأولى لاندلاع تمرد (أنانيا 1) قبيل إعلان الاستقلال رسمياً، لتصبح تلك الخيارات الأيديولوجية الأولى بذرة لجميع الحروب الكبرى التي تلتها.

ثانياً: الدور المصري في المعادلة السودانية (بين الأمن القومي والنفوذ السياسي)

ظل العقل السياسي والأمني في القاهرة ينظر إلى السودان بوصفه امتداداً مباشراً للأمن القومي المصري، وتحديداً في ملفين لا يقبلان التجزئة: مياه النيل وأمن الحدود الجنوبية.

  • دعم الأنظمة والجيش على حساب التحول المدني: اعتبرت القراءات التحليلية أن السياسة الخارجية المصرية نحو الخرطوم فضّلت دائماً التعامل مع المؤسسة العسكرية أو السلطة المركزية القوية لضمان الاستقرار والسيطرة على الملفات المائية والإستراتيجية، وهو ما تفسّره أطراف سودانية متعددة على أنه محاولة مستمرة لإبقاء الخرطوم تحت مظلة النفوذ الإقليمي للقاهرة وتطويق تطلعات القوى المدنية والهامشية.
  • استغلال التباينات التكتيكية: على مر العقود، بين دعم بعض الحركات المسلحة أو التوافق مع الأنظمة المتعاقبة، تتهم أطراف سودانية الأدوار الإقليمية بالاستفادة من حالة السيولة السياسية في البلاد لتسهيل استنزاف الموارد والآثار وتطبيق سياسات إملاء الشروط اللوجستية التي تخدم الاقتصاد الإقليمي بدلاً من تحقيق النهضة الذاتية للسودان.

ثالثاً: الملف السعودي من معارضة النفوذ إلى حرب 15 أبريل ومنبر جدة

تطورت العلاقات السودانية السعودية عبر محطات مفصلية شهدت تقلبات حادة من التحالف إلى التقاطع والاستقطاب:

1. دعم الحركة الشعبية والتجمع الوطني (التسعينات)

إبان حقبة التسعينات وتوتر العلاقات بين الخرطوم والرياض على خلفية الموقف من حرب الخليج (1990)، فتحت السعودية أبوابها لـ "التجمع الوطني الديمقراطي" المعارض، وقدمت دعماً سياسياً وإعلامياً متقدماً للحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة د. جون قرنق لمواجهة نظام الخرطوم وضبط تمدد التوجه الإسلامي وقتها.

2. حرب 15 أبريل والحياد المناور

مع اندلاع حرب 15 أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، انطلقت المبادرة السعودية-الأمريكية وعُقد "منبر جدة":

  • وجهة النظر الأولى (المشككة): يرى فريق من المراقبين أن مسار جدة وما تخلله من هدنة قصيرة أتاح للمؤسسة العسكرية إعادة ترتيب أوراقها الميدانية واللوجستية، وأن الموقف السعودي بدأ يتجه تدريجياً نحو حماية مؤسسات الدولة الرسمية الاصيلة مقابل انحسار التعاطي مع الدعم السريع.
  • وجهة النظر الثانية (الدبلوماسية): تؤكد أن التحرك السعودي هدف بالأساس إلى منع الانهيار الكامل لدولة يمثل استقرارها حجر الزاوية لأمن الساحل الشرقي للبحر الأحمر، وحماية خطوط الملاحة الدولية من التهديدات الأمنية.

رابعاً: حقائق النفط.. أسطورة شركة "شيفرون" ومطار بورتسودان

شكلت الثروات النفطية واللوجستية في السودان مادة دسمة للجدل والتأويلات الجيوسياسية، ومن أبرز هذه الملفات:

1. قصة شركة "شيفرون" وإغلاق الآبار

بدأت شركة "شيفرون" الأمريكية عملياتها الاستكشافية في شرق السودان والبحر الأحمر في سبعينات القرن الماضي (1974-1976)، غير أنها لم تعثر على كميات تجارية من النفط الخام في الشرق، بل اكتشفت حقول غاز طبيعي مرتفعة التكلفة (مثل سواكن وبشائر).

  • الانتقال للجنوب: حولت الشركة جهودها إلى حوضي "المجلد" و"ميلوط" بالجنوب والغرب (هجليج والوحدة) وحققت اكتشافات ضخمة.
  • سبب التوقف والتشميع: توقفت الشركة وأغلقت آبارها في الثمانينات نتيجة دافعين رئيسيين: الأول أمني تمثل في هجوم الحركة الشعبية (SPLA) على مقر الشركة في "ربكونا" عام 1984 ومقتل عدد من مهندسيها، والثاني سياسي-قانوني تمثل في العقوبات الأمريكية وضغوط واشنطن عقب وصول نظام البشير للعرش. أما إجراء سد الآبار بالخرسانة فإنه -وفق البروتوكولات الهيدروليكية العالمية- إجراء فني أمني قياسي لحماية المكامن النفطية من التسرب لحين الاستغلال المستقبلي.

2. مطار بورتسودان والبنية التحتية

تُظهر الحقائق الاقتصادية والجغرافية أن مطار بورتسودان الدولي شُيّد في تسعينات القرن الماضي كبديل إستراتيجي لوجستي في شرق البلاد وبجوار المنفذ البحري الرئيسي (موانئ بشائر 1 وبشائر 2) لتسهيل عمليات التصدير، وليس فوق مكامن نفطية لمنع تدفقها غرباً، حيث تقع أغلب الأحواض النفطية في كردفان ودارفور والجنوب.

خامساً: الرؤية المناخية وأبعاد "السودان سلة غذاء العالم"

تكتسب الجغرافيا السودانية أهمية استثنائية عند ربطها بالدراسات المناخية المستقبلية وسيناريوهات ذوبان الجليد في القطبين:

  • انزياح أحزمة الزراعة: تتنبأ التقريرات البيئية بأن اضطراب درجات الحرارة العالمية وارتفاع الملوحة وتراجع الخصوبة في العديد من أقاليم آسيا وأوروبا وأمريكا سيفرض الاعتماد على أقاليم استثنائية امتلكت تربة رسوبية غنية وشبكات مائية ضخمة.
  • المخزون الاستراتيجي: يمتلك السودان أكثر من 175 مليون فدان صالحة للزراعة، إلى جانب الحوض النوبي للمياه الجوفية وجريان نهر النيل وأمطار غزيرة.
  • نظرية التعطيل والتجميد: تتلاقى هنا القراءات النقدية للتصريح بأن ترك السودان في حالة عدم استقرار سياسي وأمني دائم قد لا يكون محض صدفة، بل إن أطرافاً دولية وإقليمية تفضل إبقاء هذا البلد في حالة ضعف وسيادة مهتزة، لتسهيل عمليات الاستحواذ المباشر على الأراضي والموارد المائية مستقبلاً (Land Grabbing) بأقل التكاليف وبشروط مجحفة عند وقوع الأزمات المناخية الكبرى.

خاتمة: انكشاف الخريطة وصراع الإرادات

إن الحرب المسلحة الجارية منذ 15 أبريل لم تكن مجرد صراع بين مكونات عسكرية على السلطة، بل كانت اللحظة الحرج التي انكشفت فيها كافة الأوراق والملفات المسكوت عنها منذ عقود. لقد أظهرت الحرب حقيقة التحالفات الإقليمية، وحجم الأطماع في السيطرة على الموانئ والبنية التحتية، وزيف الادعاءات بالحياد تجاه دولة تتمتع بكل مقومات النهوض لكنها كُبّلت بأزمات التأسيس ومطامع الجوار.

يبقى الرهان الحقيقي في مستقبل السودان مرهوناً بقدرة شعبه وقواه الحية على انتزاع إرادته السياسية والاقتصادية، وإعادة بناء الدولة على أسس معافاة تعترف بالتنوع الشامل وتصون الثروات الوطنية بعيداً عن التبعية الإقليمية والدولية.


تعليقات