من باب المندب إلى النيل والبحر الأحمر… هل تتشكل خريطة جديدة للشرق الأوسط والقرن الإفريقي
حرب المياه تبدأ من باب المندب؟
من باب المندب إلى النيل والبحر الأحمر… هل تتشكل خريطة جديدة للشرق الأوسط والقرن الإفريقي
؟
«إذا كثرت التلاوة، وبُعث صاحب الهراوة، وفاض وادي السماوة، وغاضت بحيرة ساوة…»
عبارة تحمل إيقاعاً نبوئياً، لكنها اليوم تفتح باباً لتساؤل سياسي وجيوسياسي أكثر من كونها دليلاً على نبوءة محددة.
ففي منطقة تتقاطع فيها الحروب مع المياه، والموانئ مع النفط، والمضائق مع التجارة، لم يعد من السهل قراءة الأحداث باعتبارها أزمات منفصلة.
اليمن ليس ملفاً منفصلاً.
والبحر الأحمر ليس مجرد ممر مائي.
والنيل ليس قضية مياه فقط.
والموانئ ليست مجرد منشآت اقتصادية.
وإذا وضعنا هذه الملفات جميعاً على خريطة واحدة، سنجد أننا أمام سؤال أكبر:
هل بدأت عملية إعادة تشكيل الشرق الأوسط والقرن الإفريقي من خلال السيطرة على الممرات المائية ومصادر المياه ومراكز التجارة والطاقة؟
هذه الفرضية لا تعني بالضرورة وجود مخطط واحد تديره جهة واحدة، لكنها تعكس حقيقة جيوسياسية مهمة: الدول والقوى الإقليمية والدولية تتنافس بصورة متزايدة على المواقع التي تمنحها القدرة على التأثير في حركة التجارة والطاقة والمياه.
وهنا يصبح باب المندب واحداً من أهم مفاتيح المشهد.
---
باب المندب… عندما يتحول الجغرافيا إلى قوة
قد يبدو باب المندب على الخريطة مجرد مضيق يفصل اليمن عن القرن الإفريقي.
لكن قيمته الحقيقية أكبر بكثير.
فهو يمثل بوابة بحرية تربط المحيط الهندي وخليج عدن بالبحر الأحمر، ومنه إلى قناة السويس والبحر المتوسط.
وهذا يجعل استقرار الملاحة فيه مصلحة لا تخص الدول المطلة عليه فقط، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي.
عندما تتعرض الملاحة للخطر، لا تتأثر السفن وحدها.
ترتفع تكاليف التأمين.
وقد ترتفع تكاليف النقل.
وتصبح الرحلات أطول إذا اضطرت بعض السفن إلى تغيير مساراتها.
وتتأثر سلاسل الإمداد والطاقة والتجارة.
وهنا يتحول المضيق من مجرد موقع جغرافي إلى ورقة نفوذ سياسية واقتصادية.
وهذه هي النقطة التي تجعل تطورات اليمن والبحر الأحمر ذات أهمية تتجاوز حدود الصراع اليمني نفسه.
---
الحوثيون وباب المندب… من الصراع المحلي إلى التأثير الإقليمي
أصبحت قدرة الحوثيين على تهديد الملاحة في البحر الأحمر واحدة من أهم المتغيرات في معادلة المنطقة.
لكن الخطأ هو النظر إلى الأمر باعتباره مواجهة عسكرية محدودة بين الحوثيين وخصومهم.
السؤال الجيوسياسي الأهم هو:
ماذا يحدث إذا استمرت القدرة على تهديد الملاحة لفترة طويلة؟
عندها يمكن أن تتغير حسابات شركات النقل، والتأمين، والدول المستوردة والمصدرة، والقوى العسكرية الموجودة في المنطقة.
وقد تجد بعض الشركات نفسها أمام خيارين:
إما المرور في منطقة أكثر خطورة، أو اختيار طريق أطول وأكثر تكلفة.
وهذا يعني أن قوة جماعة مسلحة في اليمن يمكن أن تنتج تأثيراً اقتصادياً يتجاوز حدود اليمن بكثير.
ومن هنا تظهر أهمية باب المندب كجزء من صراع أكبر على حرية الملاحة وطرق التجارة العالمية.
---
مصر… عندما يصبح أمن باب المندب جزءاً من أمن قناة السويس
بالنسبة لمصر، لا يمكن فصل البحر الأحمر عن قناة السويس.
فكل اضطراب كبير في طريق الملاحة بين آسيا وأوروبا يمكن أن ينعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على حركة القناة.
وهنا تظهر المفارقة.
مصر تقع في أقصى شمال البحر الأحمر تقريباً، بينما يقع باب المندب في أقصى جنوبه، لكن المسافة الجغرافية لا تلغي الترابط الاستراتيجي.
فالممر البحري سلسلة واحدة.
إذا حدث اضطراب في أحد مفاصلها، فإن بقية المفاصل تتأثر.
ولهذا فإن استقرار البحر الأحمر وباب المندب ليس قضية يمنية أو سعودية أو مصرية فقط.
إنه قضية إقليمية ودولية.
---
السعودية… البحر الأحمر يدخل مرحلة مختلفة
السعودية أيضاً لديها حساباتها الخاصة.
فالواجهة الغربية للمملكة أصبحت خلال السنوات الأخيرة محوراً مهماً للمشروعات الاقتصادية والسياحية والموانئ والبنية التحتية.
وهذا يجعل استقرار البحر الأحمر جزءاً من البيئة التي تحتاجها المملكة لتنفيذ خططها الاقتصادية.
لكن هناك جانباً آخر.
السعودية تقع في مواجهة مباشرة تقريباً مع اليمن، وأي تطور كبير في قدرة جماعة مسلحة على التأثير في البحر الأحمر يمكن أن يتحول إلى تحدٍ أمني واقتصادي للمملكة.
وبالتالي فإن معادلة باب المندب بالنسبة للسعودية ليست مجرد قضية أمن حدود.
إنها قضية بحر وموانئ وطاقة وتجارة واستثمار.
---
السودان… الدولة التي تقع في منتصف اللوحة
أما السودان، فقصته أكثر تعقيداً.
السودان يطل على البحر الأحمر، وفي الوقت نفسه يقع في قلب منظومة النيل والقرن الإفريقي.
وهذا الموقع يجعله مختلفاً عن كثير من دول المنطقة.
فالسودان يمتلك ساحلاً مهماً على البحر الأحمر، وفي داخله تمر واحدة من أهم منظومات المياه في إفريقيا.
ولذلك فإن أي إعادة ترتيب جيوسياسي في المنطقة لا يمكن أن تتجاهل السودان.
المشكلة أن السودان يخوض حرباً داخلية منذ أبريل 2023، وهذه الحرب أضعفت مؤسسات الدولة وأعادت فتح ملفات كانت مؤجلة حول الأمن والموانئ والحدود والعلاقات الإقليمية.
ومن هنا يمكن فهم سبب أهمية السودان في أي قراءة مستقبلية للبحر الأحمر.
السؤال ليس فقط:
من يسيطر على الخرطوم؟
بل أيضاً:
من سيكون له النفوذ الأكبر على السودان المطل على البحر الأحمر عندما تتوقف الحرب؟
وهذا سؤال مختلف تماماً.
---
إثيوبيا… المياه في مقابل البحر
إذا كان باب المندب يمثل ورقة بحرية، فإن النيل يمثل ورقة مائية.
وهنا تدخل إثيوبيا بقوة في المشهد.
سد النهضة جعل المياه واحدة من أكثر القضايا حساسية في العلاقات بين إثيوبيا ومصر والسودان.
لكن أهمية إثيوبيا لا تتوقف عند المياه.
فالدولة التي لا تملك منفذاً بحرياً تبحث باستمرار عن وسائل لضمان الوصول إلى الموانئ والممرات البحرية.
ومن هنا يلتقي ملفان كانا يبدوان منفصلين:
المياه من جهة… والوصول إلى البحر من جهة أخرى.
وهذا التقاطع مهم جداً في فهم جيوسياسة القرن الإفريقي.
---
إريتريا والصومال… دول صغيرة ومواقع كبيرة
في السياسة الدولية، ليست مساحة الدولة هي التي تحدد دائماً قيمتها الاستراتيجية.
أحياناً يكون الموقع أهم من المساحة.
وهذا ينطبق بصورة واضحة على إريتريا والصومال.
الدولتان تقعان على شريط بحري شديد الحساسية بالقرب من خليج عدن وباب المندب والطرق المؤدية إلى البحر الأحمر.
ولهذا أصبح القرن الإفريقي خلال السنوات الماضية ساحة تنافس متزايد حول:
الموانئ.
القواعد العسكرية.
الاستثمارات.
الممرات البحرية.
الطاقة.
والنفوذ السياسي.
وكلما زادت أهمية البحر الأحمر بالنسبة للتجارة العالمية، زادت قيمة هذه المواقع.
---
لكن أين تبدأ «حرب المياه»؟
عندما نقول «حرب المياه»، لا يجب أن نفهم المصطلح بالضرورة بمعنى أن الجيوش ستخوض معارك مباشرة من أجل الأنهار.
الحرب على المياه يمكن أن تكون أكثر تعقيداً.
قد تكون عبر السدود.
وقد تكون عبر التحكم في الموارد.
وقد تكون عبر الاتفاقيات.
وقد تكون عبر الموانئ.
وقد تكون عبر التأثير في الدول التي تقع على الأنهار.
وقد تكون عبر الضغط الاقتصادي والسياسي.
بل إن المياه نفسها يمكن أن تتحول إلى أداة تفاوض.
ولهذا فإن أخطر ما في ملف المياه ليس دائماً أن ينقطع الماء.
بل أن تتحول القدرة على التحكم في تدفقه إلى قوة سياسية.
هنا يصبح النيل والبحر الأحمر وباب المندب ملفات مترابطة في منظومة جيوسياسية واحدة، حتى وإن لم تكن هناك جهة واحدة تديرها.
---
من يملك الموانئ يملك جزءاً من المستقبل
هناك تحول آخر يحدث بهدوء.
الموانئ أصبحت أدوات نفوذ سياسي، وليست مجرد أماكن لتفريغ البضائع.
الميناء الحديث يمكن أن يكون مركزاً للتجارة والطاقة والخدمات اللوجستية والاستثمار، وفي بعض الحالات يمكن أن يكون جزءاً من منظومة أمنية وعسكرية أوسع.
ولهذا تتزايد أهمية موانئ البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
والمنافسة هنا ليست فقط بين دول المنطقة.
هناك أيضاً اهتمام من قوى دولية كبرى بهذه المنطقة بسبب قربها من طرق التجارة العالمية.
وهكذا تتحول الخريطة البحرية إلى خريطة نفوذ.
---
النفط والتجارة… الحلقة التي تكمل الصورة
إذا كانت المياه هي أحد مفاتيح الصراع، فإن الطاقة هي المفتاح الآخر.
الشرق الأوسط ما زال من أهم مناطق العالم في إنتاج الطاقة، بينما تمر طرق تجارية وطاقة استراتيجية عبر البحار والمضائق المحيطة به.
ولهذا فإن أي اضطراب في الملاحة لا يبقى محصوراً في المجال العسكري.
إنه يصل إلى الاقتصاد.
قد ترتفع تكلفة النقل.
وقد ترتفع تكلفة التأمين.
وقد تتغير أسعار بعض السلع والطاقة.
وقد تضطر الشركات إلى إعادة حساباتها.
وهنا تصبح السيطرة على الممرات البحرية نوعاً من القوة الاقتصادية غير المباشرة.
---
هل نحن أمام شرق أوسط جديد؟
ربما تكون العبارة الأكثر تكراراً في السياسة الإقليمية هي:
الشرق الأوسط الجديد.
لكن السؤال الحقيقي ليس كيف ستكون الحدود فقط.
السؤال هو:
كيف ستتوزع مصادر القوة؟
من يملك الموانئ؟
من يملك طرق التجارة؟
من يستطيع التأثير في المضائق؟
من يملك مصادر الطاقة؟
من يستطيع التأثير في المياه؟
ومن يستطيع بناء تحالفات تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر ومن البحر الأحمر إلى القرن الإفريقي؟
إذا كانت الإجابة عن هذه الأسئلة تتغير، فإن شكل المنطقة سيتغير حتى لو بقيت الحدود السياسية كما هي.
وهذه نقطة مهمة جداً.
إعادة تشكيل المنطقة لا تحتاج بالضرورة إلى إعادة رسم الحدود.
يمكن أن تحدث إعادة التشكيل من خلال تغيير موازين النفوذ.
---
والسودان في قلب هذه المعادلة
هنا نعود مرة أخرى إلى السودان.
السودان ليس دولة بعيدة عن هذا المشهد.
إنه يقع على البحر الأحمر، ويتصل بالقرن الإفريقي، ويتأثر بمياه النيل، ويرتبط أمنه الغذائي والاقتصادي بالإقليم المحيط به.
والحرب السودانية جعلت البلاد أكثر هشاشة أمام التدخلات والتجاذبات الإقليمية.
لكن السودان في الوقت نفسه يمتلك أوراقاً جيوسياسية كبيرة.
الموقع.
الساحل.
الموانئ.
الموارد.
النيل.
والحدود الممتدة مع عدد كبير من الدول.
ولهذا فإن مستقبل السودان لن يكون مهماً للسودانيين وحدهم.
استقرار السودان سيكون جزءاً من استقرار البحر الأحمر والقرن الإفريقي نفسه.
---
الخلاصة: الحرب القادمة قد لا تبدأ بصاروخ
ربما يكون أكبر خطأ في قراءة المستقبل هو الاعتقاد بأن الحروب الكبرى تبدأ دائماً بإطلاق النار.
أحياناً تبدأ الحرب قبل الرصاصة.
تبدأ عندما تصبح المياه ورقة ضغط.
وتبدأ عندما تتحول الموانئ إلى مناطق نفوذ.
وتبدأ عندما يصبح المضيق أداة تهديد.
وتبدأ عندما تتغير طرق التجارة.
وتبدأ عندما تبحث الدول عن بدائل لمصادر الطاقة.
وتبدأ عندما تصبح دولة ما قادرة على تعطيل حركة التجارة دون أن تحتل دولة أخرى.
من هنا يمكن قراءة المشهد الممتد من اليمن إلى باب المندب، ومن البحر الأحمر إلى السودان، ومن إثيوبيا إلى مصر، ومن القرن الإفريقي إلى الخليج.
ليست بالضرورة حرباً واحدة.
وليست بالضرورة مؤامرة واحدة.
لكنها شبكة متشابكة من المصالح والصراعات والتحالفات.
ولهذا فإن العبارة الأهم ربما تكون:
من يملك الماء لا يملك الحياة فقط… بل قد يملك جزءاً من القرار السياسي.
ومن يملك الميناء لا يملك التجارة فقط… بل قد يملك ورقة نفوذ.
ومن يستطيع التأثير في المضيق لا يملك ممراً بحرياً فقط… بل يستطيع التأثير في حسابات دول بعيدة عنه بآلاف الكيلومترات.
أما السودان، الذي يقف بين النيل والبحر الأحمر والقرن الإفريقي، فقد يجد نفسه أمام لحظة تاريخية:
إما أن يتحول موقعه الجغرافي إلى مصدر قوة ونفوذ واستقرار،
أو يتحول الموقع نفسه إلى سبب إضافي للصراع والتنافس عليه.
وهنا السؤال الذي يجب أن يشغل السودانيين:
إذا كان العالم يعيد حساباته حول المياه والموانئ والمضائق والطاقة…
فهل السودان مستعد للدخول في هذه المعادلة كدولة تملك قرارها، أم سيصبح مجرد ساحة تتنافس عليها القوى الأخرى؟
ربما تكون هذه هي المعركة الحقيقية التي لم تبدأ فصولها الأخيرة بعد..

تعليقات
إرسال تعليق