نيالا ام الخرطوم ⁉️
نيالا أم الخرطوم؟
عندما يصبح الاقتصاد اختباراً للحكومتين
في زمن الحرب السودانية، لم تعد المعركة تدور فقط حول المدن والمطارات والطرق.
هناك معركة أخرى لا تقل أهمية: من يستطيع أن يجعل المواطن يعيش؟
ومن هنا تظهر مفارقة تستحق التوقف.
في الخرطوم ومناطق الحكومة المركزية، توجد مؤسسات الدولة الرسمية، والبنك المركزي، والجهاز المصرفي، والموانئ، والقنوات الرسمية للاستيراد.
وفي نيالا، تعمل سلطة موازية تقودها منظومة «تأسيس» وسط ظروف الحرب والحصار والانقسام النقدي.
ومع ذلك، ظهرت خلال الأشهر الماضية فروقات لافتة في أسعار الصرف والأسواق بين الجانبين.
ففي يونيو 2026، نقلت تقارير اقتصادية أن الدولار في نيالا كان يتداول بنحو 3,600 جنيه، مقابل أكثر من 5,500 جنيه في الخرطوم. لكن خبراء اقتصاديين اختلفوا في تفسير هذا الفرق، بل إن بعضهم رأى أن الأسعار النقدية في نيالا لا تعكس بالضرورة القيمة الاقتصادية الحقيقية للجنيه.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي:
هل نحن أمام نجاح اقتصادي في نيالا؟ أم أمام فشل اقتصادي في مناطق الحكومة؟ أم أن الحقيقة أكثر تعقيداً من الاثنين؟
---
أولاً: الخرطوم... دولة كاملة ولكن اقتصادها تحت الضغط
الحكومة الموجودة في مناطق الجيش تمتلك ما لا تمتلكه الإدارة المنافسة:
بنك مركزي رسمي.
مصارف تجارية.
مؤسسات الدولة.
موانئ.
إيرادات جمركية.
قنوات استيراد رسمية.
ومع ذلك، ظل سعر الدولار في السوق الموازي مرتفعاً.
وفي يونيو 2026 وصل إلى نحو 5,600 جنيه، بينما أشارت تقارير لاحقة في أغسطس إلى تجاوزه 6,000 جنيه في السوق الموازي.
بل إن الحكومة اضطرت إلى ضخ مئات الملايين من الدراهم الإماراتية عبر الجهاز المصرفي لتوفير العملة الصعبة وتمويل الواردات ومحاولة تهدئة سوق الصرف.
وهنا لا بد من طرح السؤال بعيداً عن الدعاية:
إذا كانت المؤسسات الرسمية وحدها كافية لصناعة الاستقرار، فلماذا ظل المواطن السوداني يطارد الدولار في السوق الموازي؟
المشكلة بالطبع ليست في الحكومة وحدها.
الحرب دمرت الإنتاج، وأوقفت صادرات، ورفعت تكلفة الاستيراد والنقل، ووسعت الاقتصاد غير الرسمي.
لكن النتيجة النهائية التي يراها المواطن واحدة:
الجنيه يضعف والأسعار ترتفع.
---
ثانياً: نيالا... المفارقة التي تحتاج إلى تفسير
في المقابل، أصبحت نيالا مركزاً لاقتصاد مختلف تماماً.
اقتصاد يعتمد بدرجة أكبر على التجارة البرية والطرق القادمة من دول الجوار، وعلى القطاع غير الرسمي، وعلى شبكات مالية خارج النظام المصرفي التقليدي.
وهذا أحد أسباب ظهور فارق كبير في أسعار الصرف بين نيالا ومناطق الحكومة.
فبحسب تحليل اقتصادي نشرته «راديو دبنقا»، كان الدولار في نيالا يدور حول 3,600 جنيه مقابل أكثر من 5,500 جنيه في الخرطوم في يونيو. وفسّر اقتصاديون ذلك باختلاف طرق التجارة والسيولة والتحويلات وانقسام الأسواق بين مناطق السيطرة.
لكن هنا يجب أن نتوقف.
سعر الدولار الأرخص لا يعني تلقائياً أن المواطن في نيالا يعيش أفضل.
ففي سبتمبر 2026، أفادت تقارير من نيالا بارتفاع حاد في أسعار المواد الغذائية؛ إذ وصل جوال الدخن إلى نحو 540 ألف جنيه بعد أن كان 270 ألفاً، وارتفع سعر كيلو اللحوم إلى 25 ألف جنيه، وسط مخاوف من تدهور الأمن الغذائي.
إذن:
الدولار الأرخص لا يساوي بالضرورة اقتصاداً أفضل.
لكن في الوقت نفسه:
الدولار المرتفع في الخرطوم لا يمكن تجاهله باعتباره مجرد رقم.
---
ثالثاً: أين تكمن المفارقة؟
المفارقة ليست أن نقول:
«نيالا ناجحة والخرطوم فاشلة».
هذه جملة سياسية أكثر منها اقتصادية.
المفارقة الحقيقية هي:
«كيف أصبحت دولتان داخل دولة واحدة تعملان بعملتين اقتصاديتين مختلفتين، وأسواق مختلفة، ومسارات تجارية مختلفة، وحتى أنظمة مالية متنافسة؟»
رويترز ذكرت في يونيو 2026 أن مناطق سيطرة الدعم السريع شهدت تداول أوراق نقدية جديدة، بالتزامن مع إنشاء منظومة مالية موازية، وأن إدارة «تأسيس» بدأت تقوم بوظائف حكومية، بما في ذلك دفع بعض الرواتب. كما أشارت إلى ظهور خدمة مالية رقمية منافسة في تلك المناطق.
هذه ليست مجرد قصة سعر دولار.
إنها قصة انقسام اقتصادي عميق.
---
رابعاً: حكومة الخرطوم أمام سؤال الأداء
هنا يجب أن يكون النقد واضحاً:
الحكومة التي تملك البنك المركزي والموانئ والجهاز المصرفي لا يمكنها أن تفسر كل أزمة اقتصادية بالحرب فقط.
الحرب عامل أساسي بلا شك.
لكن إدارة الاقتصاد في زمن الحرب أيضاً مسؤولية.
عندما يرتفع الدولار، ترتفع تكلفة الاستيراد.
وعندما ترتفع تكلفة الاستيراد، ترتفع أسعار الغذاء والدواء والوقود.
وعندما ترتفع الأسعار، تنخفض القوة الشرائية.
ثم يدخل المواطن في الحلقة الأخطر:
راتب يفقد قيمته → أسعار ترتفع → مدخرات تتآكل → الدولار يرتفع → الأسعار ترتفع من جديد.
وقد أشار اقتصاديون إلى أن السودان يعاني أصلاً من تدمير واسع للقاعدة الإنتاجية وتراجع الصادرات والاعتماد المتزايد على الواردات، وهي عوامل تجعل معالجة سعر الصرف وحدها غير كافية.
---
خامساً: وماذا عن «تأسيس»؟
هنا أيضاً يجب ألا نقع في الطرف الآخر.
وجود سعر صرف أقل في نيالا لا يكفي لإعلان نجاح حكومة «تأسيس».
فالاقتصاد هناك يعاني من مشاكل كبيرة:
- محدودية النظام المصرفي الرسمي.
- نقص السيولة.
- الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي.
- ارتفاع أسعار السلع.
- صعوبة حركة التجارة.
- مخاطر الطرق والإمداد.
- غياب الاعتراف الدولي بالنظام المالي الموازي.
- استمرار الحرب.
كما أن تقريراً اقتصادياً حديثاً وصف الاقتصاد في مناطق سيطرة الإدارة الموازية بأنه أصبح أكثر اعتماداً على الاقتصاد غير الرسمي ومسارات الإمداد عبر تشاد وليبيا وأفريقيا الوسطى.
إذن لا يمكن تحويل سعر الدولار إلى شهادة نجاح سياسية.
---
لكن السؤال الذي لا يستطيع أحد الهروب منه
إذا كانت الحرب هي السبب الوحيد لانهيار الاقتصاد في مناطق الحكومة...
فلماذا تختلف المؤشرات بهذا الشكل بين مناطق السودان؟
وإذا كان انخفاض الدولار في نيالا مجرد نتيجة لنقص السيولة...
فلماذا لم تستطع المؤسسات الرسمية منع السوق الموازي من تجاوز 6 آلاف جنيه للدولار؟
وإذا كان «تأسيس» لا يمثل أي نموذج إداري حقيقي...
فكيف استطاع أن ينشئ ترتيبات مالية وإدارية موازية ويبدأ دفع رواتب في بعض المناطق؟
هذه الأسئلة أهم من الهتافات السياسية.
---
السودان الآن أمام تجربتين
السودان لا يعيش اليوم اقتصاداً واحداً.
بل يعيش اقتصادين متداخلين:
اقتصاد الخرطوم/بورتسودان:
مؤسسات رسمية، بنك مركزي، موانئ، استيراد رسمي، نظام مصرفي، لكن تحت ضغط هائل من الحرب وانخفاض الإنتاج وارتفاع الطلب على العملات الأجنبية.
اقتصاد نيالا/دارفور:
اقتصاد موازٍ، تجارة برية، اقتصاد غير رسمي، ترتيبات مالية جديدة، سيولة محدودة، لكن أيضاً ارتفاع كبير في أسعار السلع ومشاكل عميقة في الأمن الغذائي.
وبالتالي فإن المواطن السوداني أصبح عملياً أمام سؤال أكبر من سؤال:
من يحكم؟
السؤال هو:
من يستطيع أن يدير اقتصاداً قابلاً للحياة؟
فالسلطة التي لا تستطيع حماية القوة الشرائية لمواطنيها تواجه أزمة.
والسلطة التي تخفض سعر الدولار بينما ترتفع أسعار الغذاء تواجه أزمة أيضاً.
والحرب التي تجعل المواطن يعيش بين سوقين وعملتين ونظامين ماليين هي في حد ذاتها دليل على عمق الانقسام السوداني.
---
الخلاصة
ربما تكون أخطر نتيجة للحرب ليست سقوط مدينة أو صعود مدينة.
الأخطر أن السودان نفسه بدأ يتحول إلى اقتصادين وسوقين ومنظومتين ماليتين.
وهنا يجب أن يتوقف أنصار كل طرف عن الاحتفال بأي رقم منفرد.
انخفاض الدولار وحده ليس انتصاراً.
ووجود بنك مركزي وحده ليس نجاحاً.
وارتفاع الأسعار وحده ليس دليلاً على فشل سياسي دون النظر إلى ظروف الحرب.
المعيار الحقيقي هو:
هل يستطيع المواطن شراء الطعام؟
هل يستطيع الحصول على راتبه؟
هل يستطيع تحويل أمواله؟
هل يستطيع التاجر استيراد بضاعته؟
هل يستطيع المزارع إنتاج محصوله وبيعه؟
وهل تستطيع الدولة حماية قيمة العملة دون سحق المواطن بالضرائب والرسوم؟
في النهاية، المواطن لا يأكل البيانات الرسمية ولا الشعارات السياسية.
المواطن يأكل ما يستطيع شراءه بجنيه يزداد ضعفاً كل يوم.
وهنا تحديداً يجب أن تبدأ محاسبة كل سلطة تدّعي أنها قادرة على إدارة السودان.


تعليقات
إرسال تعليق