أسمرا تخرج من العزلة.. هل بدأت واشنطن تحييد إريتريا عن صراع السودان والقرن الأفريقي؟
أسمرا تخرج من العزلة.. هل بدأت واشنطن تحييد إريتريا عن صراع السودان والقرن الأفريقي؟
رفع العقوبات عن إريتريا في هذا التوقيت ليس خبراً إريترياً فقط… بل قد يكون خبراً سودانياً بامتياز.
✍️ إسلام القرشي
✍️مدونة صوت السودان
هناك أخبار سياسية كثيرة تمر أمامنا خلال اليوم وكأنها أحداث منفصلة.
خبر من أسمرا.
خبر من واشنطن.
تحرك سعودي في السودان.
توتر حول باب المندب.
ضغط إثيوبي للحصول على منفذ بحري.
أزمة أرض الصومال.
وتطورات متسارعة في البحر الأحمر.
لو قرأنا كل خبر بمفرده، يمكن أن يبدو عادياً.
لكن السياسة لا تُقرأ دائماً بهذه الطريقة.
أحياناً يجب أن تضع الأخبار فوق بعضها، وتنظر إلى الخريطة قبل أن تنظر إلى التصريحات.
وعندما نفعل ذلك، تظهر أمامنا صورة مختلفة:
إريتريا لم تعد مجرد دولة معزولة على البحر الأحمر.
وقد يكون القرار الأمريكي الأخير بداية انتقال أسمرا من موقع «الدولة المعاقبة» إلى موقع «الدولة التي يجب التفاوض معها».
وهنا تحديداً يدخل السودان في قلب القصة.
---
#أولا:
ماذا حدث في أسمرا؟
في 18 سبتمبر 2026، رفعت الولايات المتحدة العقوبات المفروضة على قوات الدفاع الإريترية وعدد من الكيانات والأفراد في إريتريا.
وبحسب تقرير رويترز، فإن القرار يمكن أن يساعد في تعزيز العلاقات الأمريكية مع أسمرا، في ظل الموقع الاستراتيجي لإريتريا على طريق الملاحة في البحر الأحمر.
هذه نقطة مهمة جداً.
لأن العقوبات الأمريكية على إريتريا لم تكن مجرد إجراء اقتصادي.
لقد كانت جزءاً من منظومة الضغط السياسي على نظام أسياس أفورقي، خصوصاً بعد الحرب في تيغراي، حيث شاركت القوات الإريترية إلى جانب القوات الإثيوبية، وهي الحرب التي انتهت باتفاق بريتوريا عام 2022.
وبالتالي، فإن رفع العقوبات عن المؤسسة العسكرية الإريترية ليس مجرد تسهيل مالي.
إنه يحمل رسالة سياسية.
لكن علينا ألا نبالغ.
رفع العقوبات لا يعني أن واشنطن أصبحت حليفة لأسمرا.
ولا يعني أن الولايات المتحدة تبنت النظام الإريتري.
ولا يعني أن الخلافات المتعلقة بحقوق الإنسان أو الملفات الإقليمية اختفت.
ولكنه يعني أن واشنطن قررت، في هذه اللحظة على الأقل، أن سياسة الضغط والعقوبات تجاه إريتريا ليست بالضرورة أفضل وسيلة للتعامل معها.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي:
لماذا الآن؟
---
#إريتريا ليست مجرد دولة على الخريطة
لنفترض أننا حذفنا اسم «إريتريا» من الخريطة.
ماذا يبقى؟
يبقى شريط ساحلي على البحر الأحمر.
لكن هذا الشريط الساحلي يقع في منطقة شديدة الحساسية:
أمام السعودية.
قريب من باب المندب.
على مسافة قريبة من اليمن.
وبجوار إثيوبيا.
وتحتها السودان.
وفوق ذلك كله تمر طرق التجارة والطاقة والملاحة الدولية.
إريتريا تملك ميناءي مصوع وعصب، وموقعها يجعلها طرفاً مهماً في أي ترتيبات أمنية مستقبلية للبحر الأحمر.
ولهذا فإن القيمة الجيوسياسية لأسمرا لا ترتبط بحجم اقتصادها أو عدد سكانها.
القيمة هنا في الموقع.
وفي السياسة الدولية، هناك دول صغيرة جداً من حيث السكان والاقتصاد، لكنها كبيرة جداً عندما يتعلق الأمر بالجغرافيا.
إريتريا واحدة من هذه الدول.
---
وهنا يأتي السودان
#السودان وإريتريا يشتركان في حدود طويلة على البحر الأحمر.
والحدود ليست مجرد خط على الخريطة.
هناك امتداد اجتماعي وتاريخي بين شرق السودان وإريتريا، وهناك ملفات أمنية واقتصادية وحدودية وموانئ وهجرة وتهريب وتحركات عسكرية.
والأهم:
السودان هو الدولة العربية الأكبر على الساحل الغربي للبحر الأحمر بعد مصر.
لذلك فإن أي إعادة ترتيب في أسمرا لا يمكن فصلها عن الخرطوم.
وهذا ليس استنتاجاً نظرياً فقط.
في 4 سبتمبر 2026، زار رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان أسمرا والتقى الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، وقال الجانب السوداني إن الزيارة جاءت في إطار المشاورات الدورية وتعزيز التعاون والتنسيق بين البلدين.
كما أشارت تقارير سودانية إلى أن العلاقة بين الخرطوم وأسمرا شهدت تقارباً سياسياً وأمنياً منذ اندلاع الحرب السودانية، وأن إريتريا أصبحت طرفاً مؤثراً بسبب حدودها مع ولايتي كسلا والبحر الأحمر.
إذن لدينا هنا مفارقة تستحق التوقف:
في الوقت الذي كان فيه السودان يقترب من إريتريا، كانت واشنطن تعيد فتح الباب مع إريتريا.
وهذه ليست بالضرورة صدفة.
لكنها أيضاً ليست دليلاً قاطعاً على وجود صفقة واحدة تجمع كل هذه الأطراف.
الأصح أن نقول:
هناك تقاطع مصالح يتشكل حول الموقع الإريتري.
---
هل يعني رفع العقوبات تحييد إريتريا؟
هنا نصل إلى جوهر التحليل.
أنا لا أقول إن واشنطن أعلنت أنها تريد «تحييد إريتريا».
لا يوجد في الإعلان الأمريكي ما يثبت ذلك بهذه الصيغة.
لكن يمكن قراءة الخطوة من زاوية استراتيجية مختلفة:
ربما تريد واشنطن تحويل إريتريا من مشكلة إلى قناة.
وهذا فرق كبير.
عندما تكون دولة تحت العقوبات، يصبح التعامل معها أكثر صعوبة.
وعندما ترفع عنها العقوبات، تصبح مساحة التفاوض أوسع.
يمكن فتح قنوات اقتصادية.
يمكن تكثيف الاتصالات الأمنية.
يمكن مناقشة الملاحة.
يمكن بحث ملفات الحدود.
يمكن مناقشة إثيوبيا.
ويمكن التعامل مع أسمرا باعتبارها طرفاً في ترتيبات البحر الأحمر بدلاً من التعامل معها فقط باعتبارها دولة معزولة.
وهنا تظهر فرضية مهمة بالنسبة للسودان:
إذا أصبحت إريتريا أقل ارتباطاً بمنظومة العقوبات والضغط الغربي، فقد تقل قدرتها على استخدام ملف السودان كورقة صدام مع الغرب، وفي المقابل تزيد قدرتها على لعب دور الوسيط أو الشريك أو الطرف المتفاوض معه.
وهذا ما يمكن أن نسميه:
«تحييد إريتريا»
ليس بمعنى إخراجها من السياسة.
بل العكس تماماً.
إدخالها إلى السياسة بطريقة مختلفة.
---
من «الدولة المعاقبة» إلى «الدولة المفيدة»
هذه هي النقطة التي يجب ألا نفوتها.
#الدول الكبرى لا تتعامل دائماً مع الدول الأخرى بناءً على كونها ديمقراطية أو غير ديمقراطية فقط.
#المصلحة الاستراتيجية تلعب دوراً كبيراً.
واليوم البحر الأحمر أصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى.
في 18 سبتمبر، دعا وزير الدفاع الإيطالي إلى زيادة الوجود البحري لحماية الملاحة في البحر الأحمر، في ظل تصاعد المخاطر المرتبطة بالحرب والتقدم الحوثي على الساحل اليمني.
كما تحدثت تقارير حديثة عن تأثير التطورات في اليمن على أمن الملاحة والطاقة، خصوصاً مع أهمية باب المندب بالنسبة للتجارة العالمية.
وهنا تصبح إريتريا جزءاً من المعادلة.
لأنها تقع على الضفة الإفريقية من هذا المسرح.
إذن:
أمن البحر الأحمر يحتاج إلى أسمرا.
حتى لو لم تكن واشنطن مرتاحة لكل سياسات أسمرا.
وحتى لو بقيت ملفات الخلاف قائمة.
---
#إثيوبيا تجعل أسمرا أكثر أهمية
#القصة لا تتوقف عند السودان.
هناك إثيوبيا.
إثيوبيا دولة ضخمة بلا ساحل، وتحاول منذ سنوات إعادة بناء خياراتها البحرية.
ومنذ مذكرة التفاهم الإثيوبية مع أرض الصومال في يناير 2024، أصبح موضوع الوصول الإثيوبي إلى البحر أحد أكثر ملفات القرن الأفريقي حساسية.
وهنا تصبح إريتريا في موقع شديد الأهمية.
لأن إثيوبيا تنظر إلى البحر الأحمر باعتباره مسألة استراتيجية.
وإريتريا تقع مباشرة على البحر.
والتاريخ بين البلدين مليء بالصراعات.
والعلاقة بين أسمرا وأديس أبابا ليست مستقرة.
وتشير دراسات حديثة إلى أن التوترات حول الوصول الإثيوبي إلى البحر تتداخل مع ملف تيغراي والحدود الإريترية والإثيوبية، وتزيد من حساسية المشهد في شمال إثيوبيا.
#واشنطن إذن عندما تتعامل مع إريتريا لا تتعامل معها من أجل إريتريا وحدها.
إنها تتعامل مع:
إريتريا + إثيوبيا + البحر الأحمر + باب المندب + السودان + مصر + السعودية.
وهنا تتضح أهمية القرار.
---
والسودان في منتصف هذه الخريطة
دعونا نرسم الخريطة بطريقة بسيطة.
إريتريا في الشرق.
السودان في الغرب.
إثيوبيا في الجنوب والجنوب الشرقي.
#مصر في الشمال.
#السعودية عبر البحر.
#اليمن وباب المندب في الجنوب الشرقي.
#القرن_الأفريقي.
إذا تغيرت علاقة واشنطن بأسمرا، فإن انعكاسات ذلك لا يمكن أن تتوقف عند الحدود الإريترية.
لأن إريتريا جزء من منظومة أمنية واحدة.
وأخطر ما في الأمر بالنسبة للسودان هو أن الحرب السودانية لم تعد حرباً داخلية فقط.
#الحرب أصبحت مرتبطة بشبكات إقليمية.
حدود.
سلاح.
موانئ.
طائرات مسيرة.
تجارة.
لاجئون.
ذهب.
ممرات بحرية.
ومصالح دولية.
لذلك، أي تغيير في علاقة قوة دولية بإحدى دول الجوار يمكن أن يؤثر على حسابات الحرب السودانية.
---
#البرهان وأسمرا… لماذا تتكرر الزيارات؟
هنا يجب أن نتوقف قليلاً.
البرهان زار أسمرا في يوليو 2026، ثم عاد إليها في سبتمبر.
والبيانات الرسمية تحدثت عن التشاور وتعزيز العلاقات والتنسيق بين البلدين.
هذا يعني أن أسمرا ليست هامشية بالنسبة للخرطوم.
لكن السؤال الأكبر هو:
هل تستطيع الخرطوم استخدام العلاقة مع أسمرا كورقة استراتيجية؟
أم أن واشنطن بدأت بدورها إعادة بناء علاقة مع أسمرا لتصبح صاحبة نفوذ داخل هذه الورقة؟
هنا يصبح رفع العقوبات مهماً.
لأن السودان ربما كان يتعامل مع إريتريا باعتبارها دولة قريبة منه في مواجهة الضغوط الإقليمية.
لكن إذا أصبحت أسمرا نفسها أقرب إلى واشنطن، فإن قواعد اللعبة قد تتغير.
ليس بالضرورة ضد السودان.
لكن بالتأكيد تصبح أكثر تعقيداً.
---
ماذا يعني ذلك بالنسبة للجيش السوداني؟
هذه نقطة حساسة.
إريتريا كانت طوال الحرب السودانية من الدول التي حافظت على علاقات وثيقة مع السلطة في بورتسودان.
لكن العلاقة السودانية الإريترية ليست بالضرورة علاقة تبعية.
#أسمرا لديها مصالحها الخاصة.
والسودان لديه مصالحه.
وكل طرف ينظر إلى:
#إثيوبيا.
#الحدود.
#البحرالأحمر.
#الأمن_الداخلي.
#الحركات_المسلحة.
#النفوذ_الإقليمي.
لذلك فإن أي تغير في موقع إريتريا الدولي يمكن أن يعيد حسابات الخرطوم.
وقد تكون الرسالة الأمريكية غير المعلنة:
نحن لا نريد إريتريا خارج النظام الإقليمي؛ نريد إريتريا داخله.
وهذا يختلف تماماً عن سياسة العزلة.
---
وهنا نفهم معنى «التحييد»
إذا صح هذا التحليل، فإن واشنطن قد لا تكون بصدد كسب أسمرا كحليف كامل.
قد يكون الهدف أكثر واقعية:
منع أسمرا من أن تصبح جزءاً من محور مغلق لا تستطيع واشنطن التعامل معه.
وهذه هي فكرة التحييد.
لا يعني أن إريتريا ستتخلى عن السودان.
ولا يعني أن أسياس أفورقي سيغير سياسته تجاه الخرطوم.
ولا يعني أن أسمرا ستقطع علاقتها بالقاهرة أو أي طرف آخر.
بل يعني ببساطة أن واشنطن تريد أن تكون لديها قناة مباشرة مع الدولة التي تسيطر على هذا الموقع.
وهذا منطقي جداً من منظور الأمن البحري.
---
لماذا هذا مهم لمصر؟
لأن مصر مرتبطة بالسودان من الجنوب.
ومرتبطة بالبحر الأحمر.
ومرتبطة بقناة السويس.
ومرتبطة بأزمة سد النهضة.
ومرتبطة بإثيوبيا.
وفي الأشهر الأخيرة ظهرت مؤشرات على تعميق التنسيق المصري الإريتري.
وتشير تحليلات حديثة إلى أن القاهرة وأسمرا عززتا التعاون في ملفات القرن الأفريقي والبحر الأحمر، بما في ذلك مجالات اقتصادية وبحرية.
وفي الوقت نفسه، أصبحت إثيوبيا أكثر إصراراً على مسألة الوصول إلى البحر.
إذن مصر لا تستطيع أن تنظر إلى إريتريا بمعزل عن السودان.
ولا إلى السودان بمعزل عن إثيوبيا.
ولا إلى إثيوبيا بمعزل عن البحر الأحمر.
هذه كلها ملفات واحدة جغرافياً، حتى لو كانت منفصلة سياسياً.
---
#السعودية تدخل من باب آخر
ثم تأتي السعودية.
في 15 سبتمبر، أعلنت الحكومة السودانية عن منحة سعودية بقيمة 20 مليون دولار موجهة إلى ست وزارات مدنية، هي المالية والزراعة والتعليم والتعليم العالي والصحة والثقافة والإعلام. كما أكد السفير السعودي دعم بلاده لأمن السودان واستقراره وسيادته ووحدة أراضيه، مع بحث تفعيل مجلس التنسيق السعودي السوداني.
وهنا يجب الحذر من القفز إلى استنتاج أن السعودية «اشترت» الحكومة السودانية.
لا يوجد دليل علني يثبت ذلك.
لكن هناك حقيقة سياسية واضحة:
#الرياض تزيد من ارتباطها المؤسسي بالسودان.
وفي الوقت نفسه، البحر الأحمر أصبح ملفاً أمنياً أكثر حساسية بالنسبة للسعودية.
وهذا يجعل استقرار الساحل السوداني مهماً جداً للرياض.
وبالتالي:
السعودية تريد السودان مستقراً.
#مصر تريد السودان مستقراً.
#إريتريا تريد حماية مصالحها.
#أمريكا تريد حماية الملاحة.
#إثيوبيا تبحث عن منفذ بحري.
وهنا يظهر السؤال:
من يستطيع أن يتحكم في هذه المساحة دون أن يصطدم بالآخرين؟
---
الـ20 مليون دولار ليست القصة كلها
لهذا السبب لا أرى أن علينا قراءة المنحة السعودية بمعزل عن الجغرافيا.
المبلغ نفسه ليس هو القضية.
#القضية في:
الجهة المستفيدة + التوقيت + القطاعات + إعادة تفعيل التنسيق المؤسسي.
والمنحة لم تذهب إلى وزارة الدفاع.
بل إلى قطاعات مدنية وخدمية أساسية.
وفي اليوم نفسه تقريباً، كان رئيس الوزراء كامل إدريس يعقد اجتماعاً حول القدرة الشرائية وتخفيف أعباء المعيشة، ثم عقد مجلس الوزراء في 17 سبتمبر جلسة طارئة لمناقشة القضايا الاقتصادية الملحة.
هل هذا يعني أن الرياض تشترط بقاء كامل إدريس؟
لا يوجد أمامنا دليل علني كافٍ لإثبات ذلك.
لكن وجود دعم مؤسسي للحكومة المدنية يجعل أي تغيير حكومي مفاجئ مسألة تحتاج إلى حسابات أوسع من مجرد الخلافات داخل الخرطوم.
وهنا نعود إلى أسمرا.
---
إذا كانت واشنطن تقترب من أسمرا… فما علاقة ذلك بالسودان؟
ربما تكون الإجابة في ثلاث كلمات:
البحر الأحمر.
لكن هناك إجابة ثانية:
القرن الأفريقي.
وثالثة:
السودان.
السودان هو الجسر بين شمال شرق أفريقيا والبحر الأحمر.
وإريتريا هي بوابة شمال القرن الأفريقي.
وإثيوبيا هي العمق البري الأكبر.
ومصر هي القوة الشمالية.
والسعودية هي القوة المقابلة عبر البحر.
ولهذا فإن أي ترتيب أمريكي جديد مع أسمرا ستكون له بالضرورة انعكاسات على السودان.
---
السيناريو الأول: تحييد إريتريا
وهذا هو السيناريو الذي أراه جديراً بالمراقبة.
ليس تحييدها من المنطقة.
بل تحييدها من المواجهة.
بمعنى أن واشنطن قد ترغب في ألا تتحول أسمرا إلى مركز لمعاداة النفوذ الأمريكي في البحر الأحمر أو إلى طرف مغلق داخل محور إقليمي واحد.
رفع العقوبات يفتح الباب لهذا النوع من السياسة.
إذا أصبحت أسمرا قابلة للتعامل مع واشنطن، فإن الضغط عليها من الخارج يصبح أقل أهمية.
ويصبح الحوار معها أكثر أهمية.
وهذا قد ينعكس على السودان.
فبدلاً من أن تكون إريتريا جزءاً من صراع محاور، قد تتحول إلى دولة تسعى إلى ضمان مصالحها من خلال التعامل مع عدة أطراف في وقت واحد.
---
السيناريو الثاني: إدخال إريتريا في ترتيبات أمن البحر الأحمر
وهذا احتمال آخر.
أمريكا وإيطاليا وأوروبا والسعودية ومصر ودول أخرى لديها مصلحة في حماية الملاحة.
ومع تصاعد المخاطر القادمة من اليمن، تصبح الدول المطلة على البحر الأحمر أكثر أهمية.
إريتريا تمتلك الساحل.
السودان يمتلك الساحل.
مصر تمتلك قناة السويس.
السعودية تمتلك الساحل المقابل.
وجيبوتي تقع بجوار باب المندب.
كل هؤلاء يدخلون في منظومة واحدة.
ومن هنا قد تصبح إريتريا جزءاً من ترتيبات أمنية أوسع.
إذا حدث ذلك، فسيكون السودان معنياً مباشرة.
---
السيناريو الثالث: الضغط غير المباشر على إثيوبيا
وهذا أيضاً احتمال يستحق الدراسة.
إثيوبيا تريد الوصول إلى البحر.
وإريتريا تملك الساحل.
والولايات المتحدة تريد منع انفجار جديد في القرن الأفريقي.
لذلك فإن تحسين العلاقة مع أسمرا يمكن أن يمنح واشنطن ورقة إضافية في التعامل مع أديس أبابا.
لكن لا ينبغي أن نستنتج من ذلك أن رفع العقوبات تم «ضد إثيوبيا».
لا يوجد ما يكفي لإثبات هذا.
الأدق أن نقول:
إريتريا أصبحت ورقة استراتيجية، والولايات المتحدة تريد أن تكون قادرة على استخدامها دبلوماسياً.
---
وماذا عن الحرب السودانية؟
هنا أعتقد أن أهم نقطة في القصة كلها.
السودان كان ينظر إلى الحرب باعتبارها صراعاً داخلياً، ثم أصبح واضحاً أن الإقليم كله يتداخل فيه.
إثيوبيا.
إريتريا.
مصر.
السعودية.
الإمارات.
تشاد.
جنوب السودان.
الولايات المتحدة.
روسيا.
تركيا.
وغيرهم.
وتشير تحليلات حديثة إلى أن التوترات بين السودان وإثيوبيا أصبحت مرتبطة بمجموعة من الملفات المتداخلة، بينها الحدود وسد النهضة والحرب السودانية والتنافس الإقليمي.
ولهذا فإن إريتريا ليست مجرد دولة مجاورة.
هي واحدة من نقاط التماس بين هذه الملفات.
---
السؤال الأخطر: هل تغيرت وظيفة أسمرا؟
ربما.
وهذه النقطة أهم من سؤال:
«هل أمريكا تحب أسياس أفورقي؟»
السؤال ليس عاطفياً.
السؤال استراتيجي:
ما وظيفة إريتريا في الحسابات الأمريكية الجديدة؟
قبل سنوات كان يمكن النظر إليها من زاوية:
حقوق الإنسان.
تيغراي.
العقوبات.
العزلة.
أما اليوم فهناك زاوية أخرى تفرض نفسها:
الموانئ.
البحر الأحمر.
باب المندب.
إثيوبيا.
السودان.
السعودية.
الملاحة العالمية.
وهذا يغير قيمة الدولة.
---
أسمرا لا تخرج من اللعبة… بل تدخلها بطريقة مختلفة
وهنا أصل إلى الخلاصة.
رفع العقوبات عن إريتريا لا يعني أن أسمرا أصبحت حليفاً أمريكياً.
ولا يعني أن واشنطن أعطت أسياس أفورقي شيكاً سياسياً مفتوحاً.
ولا يعني أن إريتريا ستغير موقفها من السودان.
ولا يعني أن إثيوبيا ستفقد معركتها البحرية.
لكن القرار يعني شيئاً مهماً:
الولايات المتحدة قررت أن سياسة العزلة تجاه إريتريا لم تعد كافية للتعامل مع واقع البحر الأحمر.
وهذا في حد ذاته تطور كبير.
لأن الدولة التي كانت تُقرأ باعتبارها مشكلة حقوقية وأمنية أصبحت تُقرأ أيضاً باعتبارها موقعاً استراتيجياً.
وهنا قد يكون «تحييد إريتريا» أحد الأهداف غير المعلنة.
تحييدها ليس بإخراجها من المنطقة.
بل بإخراجها من موقع المواجهة الصلبة.
وفتح قنوات مباشرة معها.
وجعلها طرفاً يمكن التفاهم معه.
---
والسودان هو المستفيد أو المتضرر… بحسب اتجاه اللعبة
إذا نجحت واشنطن في بناء علاقة عملية مع أسمرا، فقد يجد السودان نفسه أمام وضع جديد.
من جهة:
قد تصبح إريتريا أكثر انفتاحاً على الوساطة والتنسيق.
ومن جهة أخرى:
قد تقل قدرة الخرطوم على اعتبار العلاقة مع أسمرا ورقة مغلقة خارج التأثير الأمريكي.
بمعنى آخر:
الولايات المتحدة قد لا تحتاج إلى الدخول مباشرة إلى السودان من أجل التأثير في بعض حساباته الشرقية.
يكفي أن يكون لديها نفوذ أفضل في أسمرا.
وهنا تظهر أهمية الحدود.
وتظهر أهمية كسلا.
وتظهر أهمية البحر الأحمر.
وتظهر أهمية بورتسودان.
---
وربما لهذا السبب يجب مراقبة أسمرا أكثر من الخرطوم
نحن في السودان نركز دائماً على:
الخرطوم.
بورتسودان.
القيادة.
الحكومة.
الجيش.
الدعم السريع.
لكن في بعض اللحظات التاريخية، يكون القرار الذي يغير السودان موجوداً خارج السودان.
في القاهرة.
الرياض.
أبوظبي.
أسمرا.
أديس أبابا.
واشنطن.
أو على متن سفينة في البحر الأحمر.
ولهذا فإن خبر رفع العقوبات عن إريتريا لا يجب أن يمر علينا باعتباره خبراً عن أسمرا فقط.
إنه خبر عن الخريطة التي يعيش السودان داخلها.
---
الخلاصة
ربما تكون القصة أكبر من رفع عقوبات.
وربما تكون أبسط من كل هذه التحليلات.
لكن هناك حقائق لا يمكن تجاهلها:
واشنطن رفعت العقوبات عن قوات الدفاع الإريترية وكيانات أخرى في 18 سبتمبر.
البحر الأحمر يشهد تصاعداً في المخاطر الأمنية والملاحية، مع استمرار الضغط المرتبط بالحوثيين وباب المندب.
السودان وأسمرا كثفا الاتصالات، وآخرها زيارة البرهان إلى إريتريا في 4 سبتمبر.
إثيوبيا لا تزال تبحث عن خيارات للوصول إلى البحر، فيما تبقى العلاقة مع إريتريا واحدة من أهم عناصر أمن القرن الأفريقي.
السعودية تعزز تعاونها المؤسسي مع السودان، وقدمت أخيراً منحة بقيمة 20 مليون دولار لقطاعات مدنية، مع التأكيد على دعم الدولة السودانية ومؤسساتها.
كل ذلك يحدث في مساحة جغرافية واحدة.
وهنا لا أقول:
أمريكا سيطرت على أسمرا.
ولا أقول:
إريتريا أصبحت حليفة لواشنطن.
ولا أقول:
السعودية اشترطت بقاء كامل إدريس.
كل هذه استنتاجات تحتاج إلى أدلة أقوى.
لكن يمكننا أن نقول شيئاً أكثر تحفظاً:
البحر الأحمر يعاد ترتيبه.
وفي عملية إعادة الترتيب هذه، ترتفع قيمة إريتريا.
ورفع العقوبات قد يكون جزءاً من محاولة أمريكية لإعادة إدخال أسمرا في شبكة العلاقات الدولية بدلاً من إبقائها خارجها.
وإذا كان الأمر كذلك، فإن أحد أهم آثار الخطوة على السودان سيكون:
«تحييد إريتريا عن منطق المحاور الصلبة… لا تحييدها عن السودان.»
بل ربما العكس.
قد تصبح أسمرا أكثر أهمية في الملف السوداني.
لكنها ستكون هذه المرة أكثر انفتاحاً على واشنطن، وأكثر ارتباطاً بحسابات البحر الأحمر، وأكثر قدرة على المناورة بين القاهرة والرياض وأديس أبابا والخرطوم وواشنطن.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس:
هل خرجت إريتريا من العزلة؟
بل:
لمن ستفتح أسمرا الباب بعد أن رفعت واشنطن القفل؟
والأهم بالنسبة لنا في السودان:
إذا تغيرت وظيفة إريتريا في الحسابات الأمريكية، فكيف ستتغير وظيفة السودان في الحسابات الإريترية؟
لأن السودان لا يملك رفاهية النظر إلى أسمرا باعتبارها مجرد جار.
أسمرا بالنسبة للخرطوم هي:
حدود.
بحر.
أمن.
إثيوبيا.
مصر.
السعودية.
وباب إلى القرن الأفريقي.
ولهذا…
ربما لا تكون قصة سبتمبر 2026 هي أن إريتريا خرجت من العزلة.
ربما القصة الحقيقية أن إريتريا بدأت تنتقل من الهامش إلى مركز رقعة البحر الأحمر.
وعندما تتحرك أسمرا…
يجب على الخرطوم أن تنتبه.
لأن كل تغيير في أسمرا يصل صداه عاجلاً أم آجلاً إلى شرق السودان وبورتسودان والخرطوم.

تعليقات
إرسال تعليق